محمد طاهر الكردي
368
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
صاحبة هذا الخير فأذن لها في ذلك فاستشارت الحضرة السليمانية وزراء ديوانها الشريف العالي فيمن يصلح لهذه الخدمة ، فاتفقت آراؤهم على الأمير الكبير المعظم إبراهيم باشا دفتر دار مصر ، فأعطته السلطانة خمسين ألف دينار ذهبا بزيادة عشرين ألف ذهب على ما خمنوه فتوجه من البر إلى مكة المشرفة وكان وصوله إلى جدة لثمان بقين من ذي القعدة سنة تسع وستين وتسعمائة ، ثم ركب منها إلى سيدنا مولانا الشريف محمد بن أبي نمي ، وكان يومئذ نازلا بمر الظهران فقابله بالإجلال والتعظيم ومد له سماطا ولاطفه وآكله ، وعرض على سيادته ما جاء بصدده فقوبل بامتثال الأمر الشريف السلطان ، وبذلك الهمة والجهد في إتمام المهم المنيف الخاقاني ، وأن يقوم بذلك بنفسه وولده وأتباعه وخدمه ، ثم قابله عند دخوله مكة سيدنا ومولانا الشريف حسن بن أبي نمي ، صاحب مكة بالترحيب والاحترام ثم جاء للسلام عليه شيخ الإسلام مولانا القاضي حسين الحسني ، ففرح به الأمير إبراهيم وقابله بالإجلال والتعظيم ، وعرض عليه أموره وأحواله واستشاره في سائر ما بدى له من أحواله فأشار إليه بالآراء الصائبة ، وأعلمه بما ينبغي رعايته وما يجب عليه ملاحظته من الأمور اللازمة . فأول ما بدأ تنظيف بعض الآبار التي يستقي منها الناس وإخراج ترابها ثم بعد الفراغ منها توجه للكشف عنها إلى أعلى عرفات ، وكثر تردده إليها وتفطنه لمجاريها ومثاقبها ومشاركها والفحص عن أحوالها وشرع في الكشف عن دبول عين عرفات وضرب أوطاقه في الأوجر من وادي نعمان في علو عرفات وشرع في حفر قعرها وتنظيف دبولها وكانت مماليكه هم القائمون بهذه الخدمة وهم نحو الأربعمائة وأقام بهذا العمل من الأوجر إلى مزدلفة وكتب نحو ألف نفس من العمال والبنائين والحجارين والقطاعين والنجارين وغيرهم ممن يحتاج إليهم ، وأتى بآلات العمارة وصحبها معه من مصر ، من مكاتل ومساحي ومجاريف وحديد وبولاد ونحاس ورصاص وغير ذلك وعين لكل طائفة قطعة من الأرض لحفرها وتنظيف ما فيها من الدبول وكان يظن أنه يفرغ من هذا العمل الذي جاء بصدده فيما دون عام ويرجع إلى الأبواب السلطانية لينال المناصب العالية ويظفر بالمراتب السامية ، ويأبى اللّه إلا ما أراد واستمر على هذا الجد والاجتهاد إلى أن اتصل عمله بعمل زبيدة إلى بئر التي انتهى عملها إليها ، ولم يوجد بعده دبل ولا آثار عمل ، وضاق ذرعه بذلك وعلم أن الخطب كبير وأن العمل خطير وتحقق أنا لقدر الباقي من هذا العمل إنما تركته زبيدة اضطرارا بغير اختيار وعدلت عنه إلى عين